ابن كثير

206

البداية والنهاية

سليمان بن عبد الملك وهو مريض أن يولي له ابنا صغيرا لم يبلغ الحلم ، فقلت : إن مما يحفظ الخليفة في قبره أن يولي على المسلمين الرجل الصالح ، ثم شاورني في ولاية ابنه داود ، فقلت : إنه غائب عنك بالقسطنطينية ولا تدري أحي هو أو ميت ، فقال : من ترى ؟ فقلت : رأيك يا أمير المؤمنين ، قال : فكيف ترى في عمر بن عبد العزيز ؟ فقلت : أعلمه والله خيرا فاضلا مسلما يحب الخير وأهله ، ولكن أتخوف عليه إخوتك أن لا يرضوا بذلك ، فقال : هو والله على ذلك وأشار رجال ( 1 ) أن يجعل يزيد بن عبد الملك ولي العهد من بعد عمر بن عبد العزيز ليرضى بذلك بنو مروان ، فكتب : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من عبد الله سليمان بن عبد الملك لعمر بن عبد العزيز ، إني قد وليته الخلافة من بعدي ومن بعده يزيد بن عبد الملك ، فاسمعوا له وأطيعوا ، واتقوا الله ولا تختلفوا فيطمع فيكم عدوكم . وختم الكتاب وأرسل إلى كعب بن حامد العبسي صاحب الشرطة ، فقال له : أجمع أهل بيتي فمرهم فليبايعوا على ما في هذا الكتاب مختوما ، فمن أبى منهم ضرب عنقه . فاجتمعوا ودخل رجال منهم فسلموا على أمير المؤمنين ، فقال لهم : هذا الكتاب عهدي إليكم ، فاسمعوا له وأطيعوا وبايعوا من وليت فيه ، فبايعوا لذلك رجلا رجلا ، قال رجاء : فلما تفرقوا جاءني عمر بن عبد العزيز فقال : أنشدك الله وحرمتي ومودتي إلا أعلمتني إن كان كتب لي ذلك حتى أستعفيه الآن قبل أن يأتي حال لا أقدر فيها على ما أقدر عليه الساعة ، فقلت : والله لا أخبرك حرفا واحدا . قال : ولقيه هشام بن عبد الملك فقال : يا رجاء إن لي بك حرمة ومودة قديمة ، فأخبرني هذا الامر إن كان إلى علمت ، وإن كان لغيري فما مثلي قصر به عن هذا . فقلت : والله لا أخبرك حرفا واحدا مما أسره إلي أمير المؤمنين ، قال رجاء : دخلت على سليمان فإذا هو يموت ، فجعلت إذا أخذته السكرة من سكرات الموت أحرفه إلى القبلة ، فإذا أفاق يقول : لم يأن لذلك بعد يا رجاء ، فلما كانت الثالثة قال : من الآن يا رجاء إن كنت تريد شيئا ، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، قال : فحرفته إلى القبلة فمات رحمه الله . قال : فغطيته بقطيفة خضراء وأغلقت الباب عليه وأرسلت إلى كعب بن حامد فجمع الناس في مسجد دابق ( 2 ) ، فقلت : بايعوا لمن في هذا الكتاب ، فقالوا : قد بايعنا ، فقلت : بايعوا ثانية ، ففعلوا ، ثم قلت : قوموا إلى صاحبكم فقد مات ، وقرأت الكتاب عليهم ، فلما انتهيت إلى ذكر عمر بن عبد العزيز تغيرت وجوه بني مروان ، فلما قرأت وإن هشام ( 3 ) بن عبد الملك بعده ، تراجعوا بعض الشئ . ونادى هشام لا نبايعه أبدا ، فقلت : أضرب عنقك والله ، قم فبايع ، ونهض الناس إلى عمر بن عبد العزيز وهو في مؤخر المسجد ، فلما تحقق

--> ( 1 ) كذا بالأصل ، وفي نسخة وأشار سليمان بن رجاء . وما نراه : وأشار رجاء وهو ما يقتضيه سياق رواية ابن الطبري . وانظر العقد الفريد 3 / 276 ومروج الذهب . ( 2 ) في الإمامة والسياسة : بمسجد دمشق 2 / 115 والمشهور أنه مات بمرج دابق . ( 3 ) كذا بالأصل ، والصواب يزيد ولعله سهو من الناسخ . وانظر في كتاب سليمان حاشية رقم 1 ص 199